القصة التي سبقت البحث بالذكاء الاصطناعي بثمانين عاماً
قبل ظهور محركات البحث بعقود، تخيّل موراي لينستر جهازاً يستمد إجاباته من شبكة واسعة من المعلومات. واليوم، أصبح ذلك الخيال واقعاً، إذ بات البحث بالذكاء الاصطناعي يؤثر في كيفية عثور العملاء على الشركات، وموازنتهم بين الخيارات المتاحة، ووصولهم إلى الخيار الأنسب.
قبل ظهور الويب بنحو أربعة عقود، وتحديداًً في مارس 1946، نشر كاتب الخيال العلمي الأمريكي موراي لينستر قصة قصيرة بعنوان «منطق يُدعى جو».
رسم لينستر في قصته ملامح عالم يمتلك فيه كل منزل جهازاً مزوداً بشاشة، يمكن للناس من خلاله الوصول إلى كم هائل من المعلومات، وإجراء المكالمات، ومتابعة الأسعار، ومشاهدة البرامج، والبحث عن كل ما يخطر في بالهم تقريباً.
لكن جهازاً واحداً حمل اسم «جو» قلب هذا العالم رأساً على عقب. فلم يعد على الناس أن يبحثوا بأنفسهم بين هذا الكم الهائل من المعلومات، إذ أصبح كل ما عليهم فعله هو طرح سؤال واحد، ليتولى «جو» فرز ما هو مهم، وربط المعلومات ببعضها، وتقديم إجابة واضحة ومباشرة.
ما كان خيالاً علمياً في قصة لينستر أصبح اليوم جزءاً من واقعنا، وكأن «جو» خرج من صفحات القصة ليجد طريقه إلى حاضرنا.
بات الذكاء الاصطناعي من أولى المحطات التي يقصدها الناس للحصول على الإجابات والتوصيات، ولم يعد دوره يقتصر على البحث عن المعلومات، بل امتد ليؤثر في قرارات الشراء ذاتها. فمن خلاله يكتشف العملاء ما يناسبهم، وأين يجدونه، وأي الشركات تستحق ثقتهم.

حين تقترب الإجابة من السؤال
تخيّل ما يحدث عندما يبحث أحدهم عن شركة تشبه شركتك وتعمل في عدة أسواق خليجية.
قبل أن يضغط العميل على أي نتيجة، يستطيع الذكاء الاصطناعي مقارنة الخيارات المتاحة، وفرزها، واختصارها في قائمة محدودة. لذلك، لم يعد ظهور متجرك أو شركتك ضمن الخيارات على محرّك البحث وحده كافياً، بل يجب أن تكون معلومات منتجاتك، وفروعك، وخيارات التوصيل، ووسائل الدفع، والأسواق التي تغطيها واضحةً ومنظمةً، بما يسمح للذكاء الاصطناعي بفهمها وتقديمها ضمن إجاباته.
هذا لا يعني أن محركات البحث أو تحسين الظهور فيها قد فقدا أهميتهما. فما زال تحسين محركات البحث يساعدك على الظهور أمام العملاء، لكن الذكاء الاصطناعي أضاف طبقة جديدة بين لحظة البحث والوصول إلى موقعك.
من نتائج البحث إلى إجابات الذكاء الاصطناعي
توضح جوجل أن AI Overviews ،AI Mode يعتمدان على الأسس نفسها التي يقوم عليها تحسين الظهور في نتائج البحث. كما يمكنهما إجراء عدة عمليات بحث مترابطة قبل صياغة الإجابة النهائية.
وفي نفس الوقت تستطيع أدوات مثل ChatGPT، Gemini، Claude، Perplexity الرجوع إلى مصادر مباشرة من الويب، والاستناد إلى صفحات داعمة والإشارة إليها عند تفعيل خاصية البحث.
يعتمد الذكاء الاصطناعي اليوم بصورة متزايدة على الويب للإجابة عن الأسئلة المرتبطة بالمعلومات الحالية، في الوقت الذي تستخدم فيه محركات البحث الذكاء الاصطناعي لتحويل النتائج إلى إجابات مباشرة. ومع تداخل الوظيفتين، أصبح الفصل بينهما أكثر صعوبة.
وهذا يعني أن معلومات شركتك لا تزال بحاجة إلى أن تكون منشورة، ومتاحة، وواضحة في كل مكان تستطيع أنظمة البحث الوصول إليه. فلا يزال موقعك الإلكتروني، وصفحات منتجاتك، وتقييمات العملاء، وملفات نشاطك التجاري، والأدلة الرقمية، والمقالات التي تنشرها تؤدي دوراً أساسياً.
يبقى تحسين محركات البحث هو الأساس، أما الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي فيعتمد على تقديم معلومات واضحة عن شركتك، يسهل الوصول إليها، ويمكن الوثوق بها، وترتبط فعلياً بالأسئلة التي يطرحها عملاؤك.
حين تصبح أسئلة العملاء أكثر دقة
في البحث التقليدي، كان العميل يختصر حاجته في كلمتين أو ثلاث:
«أثاث مكتبي في دبي»
أو:
«توصيل إلكترونيات في الكويت»
ثم يبدأ رحلة طويلة بين النتائج، يقارن الخيارات، ويتحقق من الأسعار، ويبحث عن المتجر الأنسب قبل أن يتخذ قراره.
أما اليوم، فيستطيع أن يشرح ما يريده بالكامل منذ اللحظة الأولى. يحدد المنتج، والموقع، والميزانية، وموعد التوصيل، وطريقة الدفع، ثم يواصل تضييق الخيارات من دون أن يعيد البحث من البداية.يمكنه طرح سؤال مثل:
«قارن بين أفضل ثلاثة خيارات. أحتاج إلى التوصيل غداً. اعرض فقط المتاجر التي تقبل Apple Pay.»
الفرق هنا لا يكمن في طول السؤال، بل في كمية التفاصيل التي يكشفها عن حاجة العميل وما يبحث عنه فعلياً.

في دراسة شملت عمليات بحث أجراها 900 بالغ في الولايات المتحدة، وجد مركز بيو للأبحاث أن الملخصات المدعومة بالذكاء الاصطناعي ظهرت في 8% فقط من عمليات البحث المكوّنة من كلمة أو كلمتين، لترتفع النسبة إلى 53% عندما تجاوز البحث عشر كلمات. كما كانت عمليات البحث المصاغة على هيئة سؤال أكثر احتمالاً لإظهار إجابة بالذكاء الاصطناعي.
وبذلك، لم تعد شركتك تُقارن بناءً على كلمة مفتاحية واحدة، بل وفق تفاصيل الطلب كاملة.
هل يلغي البحث بالذكاء الاصطناعي حاجة العميل إلى زيارة الموقع؟
لا تزال المواقع الإلكترونية ضرورية للتأكد من التفاصيل، والتواصل مع الشركة، وإتمام عملية الشراء. لكن ما تغيّر هو المرحلة التي يبدأ فيها التأثير على قرار العميل.
فقبل أن يصل العميل إلى موقعك، قد يكون الذكاء الاصطناعي قد قارن الخيارات بالفعل، وحدد له قائمة مختصرة بالمتاجر أو الشركات التي تستحق النظر.
وفي الدراسة نفسها، اختار المستخدمون إحدى نتائج البحث التقليدية في 15% من الزيارات التي لم يظهر فيها ملخص بالذكاء الاصطناعي. وعند ظهور الملخص، انخفضت النسبة إلى 8%، بينما لم تُفتح الروابط الواردة داخله إلا في 1% من الزيارات.
وهذا يجعل ترتيب موقعك وعدد الزيارات التي يستقبلها مؤشرين غير كافيين وحدهما لقياس مدى ظهوره. فقد تؤثر شركتك في قرار العميل من خلال ذكرها أو مقارنتها أو الاستناد إلى محتواها في إجابة بالذكاء الاصطناعي، قبل أن تظهر أي زيارة محالة في أدوات التحليل.
عندما تسبق الإجابة زيارة الموقع
اشتهرت شركة Chegg الأمريكية بتقديم خدمات تعليمية تساعد الطلاب على الدراسة والوصول إلى الشروحات والإجابات عبر الإنترنت.
اعتمد نموذج الشركة لسنوات على مسار بسيط يبدأ ببحث الطالب عن إجابة، ثم انتقاله إلى إحدى صفحات الشركة للاطلاع على جزء من الشرح، قبل دعوته إلى الاشتراك للوصول إلى الإجابة كاملة.
كان هذا النموذج ناجحاً لسنوات.
لكن المشهد تغيّر عندما بدأت جوجل بعرض ملخصات مولّدة بالذكاء الاصطناعي مباشرةً ضمن نتائج البحث، ما أتاح لبعض الطلاب الوصول إلى ما يحتاجونه قبل زيارة موقع Chegg من الأساس.
وعزت الشركة جانباً كبيراً من هذا الانخفاض الحاد إلى Google AI Overviews، ثم رفعت دعوى قضائية ضد جوجل. ولا تزال هذه الاتهامات موضع خلاف، كما أن الذكاء الاصطناعي لم يكن العامل الوحيد الذي أثّر في أعمال الشركة.
لكن الدرس يبقى واضحاً.
كلما منحت إجابات الذكاء الاصطناعي العملاء ما يحتاجونه قبل الوصول إلى الموقع، تراجعت حاجتهم إلى زيارته. هذا هو الواقع الجديد الذي يتعين على الشركات الاستعداد له.
توضح تجربة Chegg حجم المخاطر التي تواجهها الشركات عندما يعتمد نموذجها بدرجة كبيرة على تحويل الظهور في نتائج البحث إلى زيارات فعلية للموقع.
زيارات أقل، لكن بنيّة شراء أقوى
حللت Adobe أكثر من تريليون زيارة لمواقع البيع بالتجزئة في الولايات المتحدة، ووجدت أن الزيارات القادمة عبر أدوات الذكاء الاصطناعي ارتفعت بنسبة 393% على أساس سنوي خلال الربع الأول من عام 2026. وفي مارس من العام نفسه، حقق هؤلاء الزوار معدل تحويل أعلى بنسبة 42% مقارنة بالقادمين من القنوات الأخرى، كما أمضوا وقتاً أطول على المواقع بنسبة 48%، وتصفحوا صفحات أكثر بنسبة 13% في كل زيارة.
تشير هذه النتائج إلى أن الزوار القادمين عبر الذكاء الاصطناعي قد يصلون إلى الموقع وهم أقرب إلى اتخاذ قرار الشراء، بعد أن ساعدهم على مقارنة الخيارات واستبعاد ما لا يناسبهم.
هذا يعني أنَّ الزيارة قد تأتي في مرحلة متأخرة من رحلة الشراء، لكنها قد تكون أكثر قيمة.

تأثير هذا التحول على الشركات في المنطقة؟
أتاحت جوجل ميزة AI Overviews في أكثر من 200 دولة وإقليم، وبأكثر من 40 لغة، من بينها العربية. في الوقت نفسه، تمضي اقتصادات المنطقة بسرعة نحو مزيد من الرقمنة والاعتماد على الذكاء الاصطناعي.
لكن التحدي أمام الشركات التي تعمل في أكثر من سوق خليجي لا يكمن في الظهور وحده، بل في اتساق المعلومات التي تقدمها. فإذا اختلفت بيانات توافر المنتجات، أو نطاق التوصيل، أو وسائل الدفع، أو معلومات الفروع، أو صفحات الدول من مكان إلى آخر، فقد يقدّم الذكاء الاصطناعي إجابة ناقصة أو قديمة.
من المنافسة على الترتيب إلى المنافسة على قرار العميل
تخيّل موراي لينستر «جو» بوصفه جهازاً يستطيع الغوص في عالم شاسع من المعلومات، ثم العودة بالإجابة التي يحتاجها الناس.
أما البحث الحديث بالذكاء الاصطناعي، فقد نقل هذه الفكرة إلى مستوى أبعد.
وبالنسبة إلى الشركات، لا يتمثل التحول في الانتقال من تحسين محركات البحث إلى الذكاء الاصطناعي، بل في الانتقال من المنافسة على موقع داخل النتائج إلى المنافسة على موقع داخل قرار العميل نفسه.
في الجزء القادم من سلسلة "كيف يجدك الذكاء الاصطناعي؟"
في الجزء القادم من السلسلة، ننتقل من شرح هذا التحول إلى ما يمكن للتجار فعله للاستفادة منه، عبر خطوات عملية تساعد أدوات البحث بالذكاء الاصطناعي على العثور على نشاطك التجاري، وفهمه، وإدراجه ضمن توصياتها.
من الظهور في إجابات الذكاء الاصطناعي إلى إتمام عملية الدفع
كلما ساعد الذكاء الاصطناعي العملاء على الاقتراب من قرار الشراء، أصبحت تجربة الدفع عاملاً حاسماً في تحويل هذا الاهتمام إلى عملية دفع مكتملة.
تساعد تاب للمدفوعات الشركات العاملة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على قبول وسائل الدفع المحلية والعالمية من خلال عملية ربط واحدة، ليتمكن العملاء في كل سوق من الدفع بالطريقة التي اعتادوها.
تواصل مع فريقنا لمعرفة كيف يمكننا دعم أعمالك وقبول المدفوعات في مختلف أسواق دول مجلس التعاون الخليجي.
تفضل بزيارة موقعنا الإلكتروني، وتحدث اليوم إلى أحد خبرائنا في حلول الدفع!